محمد بن جعفر الكتاني
59
سلوة الأنفاس ومحادثة الأكياس بمن أقبر من العلماء والصلحاء بفاس
وإنما نهى عن الذبح لهم : لأنهم مما عبد من دون اللّه ، فيؤدى الذبح لهم إلى اعتقاد ما لا يجوز فيهم . بل ربما أدى إلى الكفر ، كما هو مشاهد . نسأل اللّه السلامة والعافية . وإن قصد التقرب إليه ؛ أعني : إلى الجان ، والانقياد له والخضوع ، كما يتقرب وينقاد إلى اللّه تعالى ، كما لو كان الذابح يعتقد فيه أنه يؤثر في الأشياء فيوجدها ويعدمها بقدرته ، وأنه قادر على نفع من شاء وضر من شاء ، كما عليه كثير من جهلة النساء والعبيد ؛ حرم أكل ذبيحته ؛ لأن معتقد هذا كافر مرتد . وقد أشار إلى هذا التفصيل الإمام المواق نقلا عن ابن عرفة عقب نقله لما تقدم عن ابن شهاب من أنه : « لا ينبغي الذبح لعوامر الجان . . » ، ونصه : « ابن عرفة : إن قصد به اختصاصها بانتفاعها بالمذبوح ؛ كره . وإن قصد التقرب به إليها ؛ حرم » . قلت : وعلى هذا القسم الأخير يحمل كلام من أطلق التحريم ، وهو غير واحد : قال الشيخ يوسف بن عمر في " شرح الرسالة " ، عند قولها : « ما ذبح لغير اللّه » ، ما نصه : « فيؤخذ من هذا : أن ما ذبح للكنز أو للجنون لا يجوز أكله » . وقال الترغي في " شرح ذكاة الرقعي " : « وما يذبح للمريض أو لمكان يسكن فيه لما يتقى من عمارة الجان ، فلا يوكل . لأنه مما أهل به لغير اللّه » . انتهى . نقلهما العلامة الزياتي في شرح ذكاة خاله سيدي العربي الفاسي ، ونحوهما ما يأتي قريبا عن البرزلي من أن ما ذبح برسم الجان مما أهل لغير اللّه به . . . واللّه أعلم . [ حكم ما تذبحه قبيلة على أخرى من أجل أن تحالفها ] : وأما ما تذبحه قبيلة على أخرى لتعينها على عدوها مثلا ؛ فقال البرزلي : « احفظ أن ما ذكي في الفتن التي تكون بين القبائل أو للفخر ؛ مما أهل لغير اللّه به ، وكذلك ما ذبح برسم الجان ، وكرهه اللخمي ، وكان بعض من لقيناه يقول : إذا سمي اللّه عليه ؛ فالصواب أكله ، وقصد ذلك به خارج عن نية التذكية » . [ 58 ] . وقال الرسموكي في جوابه المشار إليه سابقا : « يجري في هذا أيضا التفصيل الذي ذكره العوفي ؛ فيقال : إن اعتقد الذابح أن الذبح هو الذي يحدث الألفة بينهم ؛ حرم مذبوحه . وإن اعتقد التأثير في ذلك للّه وللذبح ؛ كره مذبوحه . وإن اعتقد التأثير في ذلك للّه فقط ؛ فمذبوحه لا بأس به . . . » . قلت : وما تقدم من التفصيل في القسم الثاني بالكراهة لا بد منه هاهنا واللّه أعلم . ومنها : أن يقدم رجله اليسرى عند إرادته الانصراف من الزيارة ، نص على ذلك موسى بن عبد اللّه الزياتي في كتاب : " كراس المحبين " . ونقل نصه في " الدر النفيس " .